"هل الكِتابةُ شيءٌ مجنون ، أم أنها كما يُقال فنٌّ من الفُنون ! ؛ هل هِي فِطرةٌ مُتّصِلةٌ بِنا أم أنّها مُكتَسَبه !" ، كانَتْ هذهِ إحدَى التّساؤلات التِي طرحتُها من قبلُ على نفسِي قبلَ أن أطرَحها على غيري والتِي بدورِها إستئصَلَتْ أعصابِي مِنّي ؛ حتّى قررتُ فِيما بعد بالكتابةِ فِيها مُجِيباً بِطرِيقةٍ أو بِـ أُخرَى عنها !
'
إنّها السّاعةُ الثّانِيةِ صباحاً ، حِينَ لجِئتُ إلى حُروفِي ! ، هذه المره أوّدُّ بِأن أكتُبَ شيئاً لم أكتُبَ مثلهُ من قبلُ قط ! ، أُرِيدُ بأن تسَعَنِي السّطور بِما فِيني ولو لِمرّه ! ، أُرِيدُ بأن تُطاوِعني الحروف ولا تُباشِرُ بالهُروبِ كـ كُلّ مرّه ! ، أُرِيدُ بأن أعقُدَ صفقةَ تَحالُفٍ مع جميعِ تراكيبِ الهِجاء وألحانِ الغِناء وتعابيرِ الوصفِ والرّثاء ، وصُوَرِ الحُبِّ والذّمِ والثناء ؛ لِـ أعزِفَ لكُم سِمفُونيّاتِ هذا الجنون الذي ينهَشُ في عقلِي ويَتْكَأَ على قلبي !
'
أنا الذي تتهاطَلُ جميعَ أفكارِ العالمِ على رأسِي ؛ بِمُجرّد أن أُفكّرَ بَينِي وبينِي بأنّي سَوفَ "أكتُب" ! ، أنا الذِي تتطايَرُ حماماتُ حُروفِي عنّي عِندَ أوّلَ حِجارةٍ تقذُفُها الأفكارُ من عقلِي على قلبِي ثمّ حرفِي ! ، أنا الذِي لَم يسَعُنِي هذا العالم لِـ إكمالِ تِلكَ الرّواياتِ المنزوءَةِ بِـ مخاضِ الذّاكِرَةِ ونزفِ تِلكَ المُذكّره! أنا الذِي أُنهِي كِتابةَ كلّ شيء قبلَ أن أبدَءَ فِيه ؛ وما أكتُبَهُ ليسَ إلاّ نُصوصاً خارِجَةً عنِ النّص !
'
كيفَ لِي أن لا ألجأَ إلى فِراشِي في هذا الوقتِ المُتأخّر من اللّيل ! وألُوذُ إلى هذهِ الحروف التِي قلّما تُطاوِعَنِي إلاّ من بعدِ تحرّشٍ و إغتِصاب ! ، كيفَ لِي أن لا أفِرُّ مِنّي وأنا الذِي لا أُطاوِعَنِي إلاّ من بعدٍ صِراعٍ وإكتِئاب ! ، كيفَ لِي أن أذهَبَ من تِلقاءِ نفسِي وفِي هذا الظّلامُ إلى العذاب ؛ وأنا الذِي أعِيشُ من قبلُ فِي ظُلُماتِ ثلاث ؛ مُخاضُ ذاكِرَه ، وحذاقةِ زمنٍ أُعاصِرَه ، وجُنونِي بِمن لا يُبادِلنِي إيّاه أو حتّى يُجامِلُنِي بِقولِهِ سوفَ أُشاطِرَه !
'
أنا الذِي أتوَسّدُ حُروفِي عِوضاً عن فِراشِي وكأنّني قد فُطِرتُ على ذلك ! أنا الذِي لم أرضَع إلاّ أسَى ولَمْ أكتَسِبْ من هذهِ الحياه إلاّ كيفِيّةِ الكِتابَةِ عنهُ ! ، أنا الذِي أرسُمُ بكلِماتِي هذهِ صُوَراً ثُلاثِيّةَ الأبعاد ومُتحرّكَه رُغمَ ثباتِ الأمكِنَه ! ، أنا الذِي لا يَصفَى لِي ذِهنٌ أبداً ولا بال ! -كيفَ سـ أنامُ هذهِ اللّيله ! من ذا الذِي سـ يُخرِجنِي من هذهِ الدّوامـةِ التِي دائِما ما أَجِدُنِي فِيها ؛ من ذا الذي سـ يقومُ بِـ قطعِ حبلِ أفكارِي وكلّ من هُم حولِي في سُباتٍ غارِقُون ! -
'
أنا الذِي دائِما ما تُمازِحنِي أُمّي بِـ نَعتِها لِي "العاشِقُ الصّامِت" ؛ وذلِكَ عِندَ مُناداتِها لِي وعدمِ ردّي عليها إلاّ من بعدِ إثنتانٍ أو ثلاثٍ ! ، -لا تقلَقِي أُماهُ ف ليسَ لِي عشيقةٌ إلاّكِ - أنا الذِي دائِماً ما تَضحكُ عليّ أُختِي عِندما أُتمتمُ أو أُهذوِن دُونَ إدراكِي لِـ وضعِي أو إحساسِي بِمن هُم حولِي ! -إضحكِي أُختاه ف أنتِ لا زِلتِ قاصِرةً أمامَ شِيبِ وجدانِي- ، أنا الذِي يَجزِمُ أخِي بأنّي قد فقدتُّ عقلِي وأُقِرُّ بِذلِكَ ضاحِكاً ؛ بأنّي قد فعلتُ ذلك ! - نَعم أخِي أنا الذي جُنِنتُ بِـ طِيبٍ ونُكرانِي! -
'
مجنونٌ أنا ، أُرِيدُ ما أعجزُ عن الوصولِ إليهِ وهو النّومَ لِـ أهرُبَ من الكِتابه ! ، مجنونٌ أنا ، عِندَ وُصُولِي إليه سوفَ أفِرُ مِنهُ إلى الكِتابه ! - أنا الوطنُ الذِي لا يُكتَبْ ؛ ف ينامُ بِضِيقِهِ ، وأنا الأملُ الذِي لا ينضَب ؛ فـ يصحَى لِـ يتخلّصَ من كابُوسِهِ ! - ، مجنونٌ أنا ، أشكُو لـ الله من هذهِ الوُحدةِ الحارِقَه ! ، وعِندَما أجِدُنِي بينَ عجيجِ الخلقِ أدعُوهُ طالِباً آيّاها ! -
'
أنا الذِي تَربِطنِي علاقةُ عِشقٍ مجنونٍ وحِسٍّ مفتونٍ بالكِتابه ، يفُوقُ جنونُ قيسٌ بِـ ليلى وعنتَر بِـ عبلَه ! ، لدينا من الصّبيانِ ثمانِيَةً وعِشرون ؛ وتاسِعٌ فوقَهُم بِـ عمليّةٍ قَيصَرِيّه ! ، ولدينا من البناتِ أربعةً وعِشرونَ ؛ وخامِسَةً بِـ جِراحَةٍ إستِئصالِيّه ! - لا أملِكُ عِصمةُ أمرِها ولا هِي تنالُ منّي مطالِبَها !
'
مضى اللّيلُ على مضَضْ ، كُنتُ أهُشُ بِحرفِي على ألَمِي ! ، كُنتُ أرمِي بِالمواجِعِ من على كتِفِي ! ، كُنتُ أُصلّي صلاةَ غائِبٍ إلى أن سقطَ القلمُ من يدِي ! - إحتَضَنَنِي غائِبِي - ثلاثُونَ دقيقةٍ فقط ؛ وبعدها إستيقظتُ على صوتِ هَذيانِي !
*نصٌّ خارِجِ النّص*
*نصٌّ خارِجِ النّص*
*نصٌّ خارِجِ النّص*
'
كانَ صوتٌ بِداخِلِي يُنادِينِي : " قُم وأكمِل ما بدأت ! ، قُم وأكمِلِ الذِي مِنهُ قد هرَبتْ ! ؛ صلّي لِمُحتَضِنَك صلاةَ مُودّع !"
'
كُنتُ وقتها روحٌ في جسدٍ أبلاهُ الزّمن ، لَم أستَطِعْ حتّى الرّمشُ بِعينايَ الذّابِلتَين ! ؛ ف سقطتُّ مَرمِياً على الأرضِ ؛ كأنّني أقُولُ لكُم " ودّعُوني " ، كأنّني قدِ إنتهيتُ من كِتابةِ وصّيتِي ؛ وأُنادِيكُم ؛ هَلُمُّوا لكي تُدثّرُونَنِي !