Wednesday, 10 September 2014

في المُستشفى -روايه قصيره-


إنها السّابِعه إلا عِشرُونَ دقِيقه بِتوقِيتِ عقلِيَ الفطِن ، الثّانِيه بعدَ زوبَعةِ الإضطِراب فـي أرجاءِ قلبِي النّتِن !
'
كانَ لِزاماً عليّ كـ كل مرّه أن أغتَصِبَ كُرسِيّ الإنتِظار ضرِيبةً لِـ إشعالِهِ بناتَ أفكارِيَ الحُبلى وتركِهِنّ ما بينَ شظيظِ نارٍ وحظيظِ صفوٍ وإعتِكار !
'
لا مجالَ للإجهاض ؛ يصعُبُ جِداً على شابٍّ هرِمٍ مثلي عقِيمَ الرّغبةِ والجُموح التّخلّي عن عاداتِهِ الغريبه ؛ كلّ الأنباء تُشِيرُ إلى وِلادَةِ هلاكِ آخرَ لا محالَه !
كلّ الأجواءِ مُهيّئه لِـ طلقِ كُهرُورَةِ أحشائِي وهذا ما أتوقّعُ إحتِماله !
'
كُنتُ أوّل الواصِلينَ في قاعةِ الإنتِظار ؛ على بُعدِ عِشرُونَ دقيقه من موعِدِ إخمادِ النّار ! ، إذْ أنّنِي غرِقتُ باكِراً فُي كُرسِيّ الدّمار ولم يمضِي على ذلِك سِوى دقائقُ خمس لِـ يأتِي من بعدها التّحرّر عِندما سمعِتُ صوتاً بِخُطواتٍ مُتثاقِلةٍ معَها همس !
'
كانَ سلامٌ من شيخٍ كبيرَ السّن بِرفقةِ إبنِه ، ردَدْتُّ السّلامَ ثُمّ جلسا على بُعدِ عشرِ خُطواتٍ مِنّي ؛ ومَضيتُ كِـ عادَتِي أُراقِبُهُما بِصمت ؛ " كانَ الشّيخُ ودُوداً طلق الوجهِ باسِماً ، والأبنُ مُطيعاً جميلَ الملامِحِ ضاحِكا ؛ ويبدُو أنّ كِلاهُما من المناطِق الدّاخِليّه في عمان "
'
شرِعتُ فِي التّسآؤلاتِ بعدها ؛ كيفَ لِي أن أكُونَ كهلاً في العُمر طلقَ الملامِحِ والثّغر ! كيفَ لِي أن أكُونَ إبناً بارّاً صالِحاً وأباً ناصِحاً واعِظا ! ، كيفَ لِي أن لا أسبِقنِي وأصبِحَ أباً شديداً عصِيّاً عليّ وإبناً خائفاً مغشِيّاً منّي ! ، .... ، حتّى تآكلت !
'
أوقَفنِي المُوظّفِ من التّصدّع بِمُناداةِ أخِي ! لم أكُن أعلَم وقتها أنّنِي الوحِيدُ هناكَ دُونَ أخِي ! ف دوّامِةِ التّساؤلاتِ تِلك أذهبتنِي بعيداً ! وبعد التّكرار نهضتُ مُسرِعاً إليه ف إذا بِهِ شابٌّ قد يكون تجاوزَ العشرين بقليلاً فضّ الوجهِ والطّباع ؛ تبسّمتُ له ف إذا بِهِ يُعطِيني ورقةَ الموعِد الذي سبق وأن وضعتُها هُناك لأنتظِرَ مُناداتِه
'
لكنّه لم يُعطِيني طابِعاً للمريض "ستيكر" حتّى يتسنّى لِي بعد ذلِك أخذ دواءٍ له من الصيدليّه ؛
-ف طلبتُه ذلك ؛
* قالَ : مُضطَجِراً نسيت ! أعطِنِي بِطاقة المريض !
- أجبتُه مُبتسماً نسيتُها أيضاً !
* ف إذا بِه يصِبُّ جُمّ غضبِهِ فِيّ : من قبلُ لم تسمَع نِدائِي والآن نسيت ! إدفع قيمة البطاقه لأعطيك طابعاً للمريض !
- أجبتهُ ضاحِكاً وبإستِغراب ؛ كم أدفع !
* أجابَ : ريال ونصف
- أجبتَهُ بإنفعال : سأدفع حتى لو كانَ ضِعفاً !
* ف قال : اذهب مع ذاكَ الرّجل وأشارَ إليه
- لم أقل شيئاً ذهبتُ صامِتاً
'
وجدتُّهُ عكسَ الأوّلِ تماماً مُبتسِماً ، أربعِينيّ العمر وعلاماتِ الوقارِ تبدُو في هيئتِه وقالَ لِي قبلَ أن أطلُبَه ؛
* كيفَ لِي أن أخدِمَك ؟
- قُلتْ أُرِيدُ طابعاً للمريض ولكنّنِي نسيتُ بطاقته الصحيّه !
* قال مُبتسماً لا بأس في المرّةِ القادمه لا تنسِها ! خُذ الطّابع وادفع لو سمحت مائتانِ بيسه
- أجبتهُ مبتسما حسناً بإذنِ الله ؛ تفضل وجزاك ربي خيراً ؛ ثمّ انصرفت
'
فِي طريقي إلى القسمِ الذي يُعالِج فيه أخي أخذتُ أُقارِن بينَ الموقفين ؛ الأول كانَ عابِساً فضاً غليظاً ! والثانِي عكسه تماما !
يا تُرى ما الذي جعل الأول يكُونُ هكذا ونحنُ لا زِلنا في أول الصّباح ! ما الأعذارُ التي سأُقدّمها تبريراً لتصرّفاتِه معي ! ثُمّ كيف لِي أن أتصرّف مع أمثالِه وأتجنّب أن أكُونَ من أصحابِهِ وأعوانِه ! ، وفي المُقابِل ما سِرّ تصرّف الثانِي ! ماذا لو كانَ الجميعُ كـ هُو ! ماذا لو كُنتُ مكانه ! هل ياتُرى سأتصرّفِ مثله تماماً ! ثمّ ما هي الأشياء التِي يجب أن تتواجد فِيّ حتّى أصبِحَ مثلَهُ عندما أكُونُ موظّفاً في المستقبل !
'
وصلتُ القِسمَ ولا زالَ رأسِي عالِقاً في الطَريقِ بالتّساؤلات و لم يصِل معي ! ذهبتُ لكي أُسجّل حُضوراً لأخِي لكي آخُذَ وصفةَ دوائِه كـ عادتِي ف إذا بِها إمرأه ليستِ بالشّابّةِ ولا حتّى بالعجوز لكنني أُبصِمُ في أنها تجاوزت الأربعينَ إلاّ قليلاً وتبدو على ملامِحها بعض التّجاعيد ؛
- أعطيتُها الورقه بعدَ السّلام ف إذا بِها تأخُذُها دُونَ ردٍّ للسلّامِ ولا حتىّ كلام !
- تمهّلتُ قليلاً مُندهِشاً ف إذا بي أسألُها ؛ كم سيستغرِق إنتِظارِي مُجدّداً ؟
* أجابت بغضب : لا أعلم !
- قُلت لها : كم مريضاً قبلي ؟
* قالت : لا أعلم !
- قلت لها : أين الطبيب ؟
* قالت : أظنّهُ ليسَ موجوداً لم يأتِي بعد !
- قُلتُ لها : ومتى سيأتِي ؟
* قالت : لا أعلم انتظِر وفقط !
- قُلتُ : حسناً ؛ وانصرفت
'
وفي نفسي علاماتُ دهشةٍ وإستِغراب ! كيفَ لـِ مُوظّفينَ في قسمِ الطّبّ والسّلوك أن لا يرَونَ سُلوكِهِم وتصرّفاتهم مع الزّائِرين ! ما بالُ المُوظّفين هكذا اليوم أمّ أنها لعنةٌ تُرافِقُنِي أينما حللت خُصوصاً هذا اليوم !
'
خرجتُ من القِسمِ لأذهبَ لِـ تناوِلِ فُطورِي إذ أنّنِي جِئتُ إلى المُستشفى باكِراً وعلى عجلٍ وفي الطّريق صادفتُ شيخاً كبيراً في السّن يبدُو أنّه يفُوقُ السّبعين عاماً جالِساً على نهايةِ الممر ! وكلّما أقترِبُ منه كلّما يُباشِرُ في ضربِ رأسِهِ على الجِدار ! نعم على الجِدار ! وقفتُ ساكِناً في دهشةٍ وتعجّب ! ولم تمرّ ثوانِي حتّى جاءَ إبنُه ومعُهُ طاقماً من الممرّضينَ ومعهم كُرسيّ ثمّ حملُوه ولا أعلمُ لِـ أين !
'
أكملتُ طريقي وإذا بـ التّساؤلاتِ تأخُذُنِي هذهِ المرّه فِي ذلك الشّيخ ! يا تُرى ما مُصِيبتُه ! ما عِلّتُه ! ماذا لو كُنتُ مكانه ! كيفَ سأكُون ! كيفَ سأُصبِحُ عندَما يكونُ عُمرِي في مثلِ عُمُرِه ! ثمّ ماذا لو كُنتُ أنا إبنُه ! كيفَ سيكُونُ موقِفي ! وماذا سأفعل !
'
وصلتُ إلى المطعم الذي يبُعدُ أمتاراً عديده عن القِسمِ الذي كُنتُ فيه ! تناولتُ فُطورِي مع صديقٍ لِي لم ألتقِيهِ منذُ مُدّه ، خِضنا بعض الأحاديث وإستغرقنا بعضَ الوقت ثُمّ إنصرفنا إلى الإستِراحه العامه ف إذا بِي أُشاهِدُ طِفلاً لم يتجاوز عُمرُه الخامِسةَ عشر ربيعاً يُحمل على كُرسِيٍّ مُتحرّك يُنقل أمامَ ناظِرِي ! ؛ كنتُ أُناظِرُ بصمت ! طلبتُ من صديقي الإنتِظار في الإستِراحه لأذهب وأرى طبيبَ أخي لآخُذ الوصفه وأنتهِي ثمّ أعُودُ إليه !
'
في الطرِيق صُعِقتُ بالتّساؤلات مُجدّداً ! ما بالُ الطّفلِ الذي كانَ يُحمل على الكُرسي ! أهِي مُصِيبه أم إبتِلاء ! أهِي مُؤقّته أم دائِمه ! ماذا لو كُنتُ مكانه ! ماذا لو كُنتُ أنا ! ، إلى أن وصلتُ إلى القسمِ ف إذا بـ وصفةِ الأدويه جاهِزَه أخذتُها ومضيتُ على عجل لكي أذهب وأضع الورقه في الصّيدليّه وأذهب قليلاً مع صديقي إلى حِينِ مُناداتهم لي كعادتهم بعد ما يُقارب النّصف ساعه أو أكثر بقليل !
'
صُدِمتُ هذهِ المرّه بفتاةٍ شابةٍ في العُمر جميلةَ المظهر تعرِجُ في الطّريق لا تستطيع المشي وتكادُ تصرَخُ من الألم ! نعم تكادُ تصرَخ لمِحتُ ذلكِ في إعصِرارِ عينيها وإحمِرارِ وجهِها ! ؛ إنتابتني رعشةٌ مما رأيتْ وددتُ لو أنّنِي أستطِيعُ تقديمَ شيءٍ لها ! تباطئت خُطواتـِي كثيراً وعزمتُ على سُؤالِها وقبل أن أفعل جاءتها أحدُ النّساءِ ف أكملتُ طريقي وإنصرفت !
'
تغيّر لونُ وجهِي وتسارعت دقّاتُ قلبِي ! لا أعلم لِما كانت تِلكَ الفتاةُ أكثرُها تأثيراً عليّ ! هل لأنّها شابةٌ جميله ! أم لأنّها سقيمةٌ ومريضه ! أم لأنّنِي أحسستُ ولو ببعضِ ما تشعُرُ به وبما تُقاسِيه من وجع ! حقيقةً لا أعلم ! قُمتُ بغسلِ وجهي وذهبتُ إلى الصّيدليّه ! أعطيتهم الورقه وقُلتُ لهم كم سيستغرِق تجهيزَ الوصفه فأجابُوني بعد أربعينَ دقيقه تقريبا ؛ ثمّ إنصرفت إلى صديقي الذي تركتهُ ينتظر !
'
عُدتُ إليه ف إذا بِه يتحدّث بالهاتِف إلى أحدِ الأصدقاء الذين أعرِفهم ! طلبَ منّي مُحادثته وقُمتُ بذلك ! أطلنا الحديث نوعاً ما ! ومن إنتهينا حتى أخبرتُ صديقي بالمواقِف التي شاهدتها وحدثت لـي ! " الشيخ الكبير مع إبنه ، الموظف العابس ، الموظّفه التي لاتعلمُ شيئاً ، الشيخ الكبير الذي يضربُ رأسه ، الإبنُ المحمول على الكرسي وأخيراً البنتُ الشّابه التي كانت تتألم "
'
أنصت إليّ على مهل إستغرب من بعضِ المواقف وضحِكَ من أُخرى ! لكنّنِي لم أُخبِرُه لكي أنتظِرَ تعليقاً منه بل لكي أرى هل نظرتهُ للأشياءِ كـ عُمقِ نظرتِي ؛ وهل تأثيرُها عليهِ كتأثيري ! لم ولا أعتقد ذلك ! مضى الوقتُ سريعاً وتجاوزنا الأربعين دقيقه ! ذهبنا بعدها إلى الصيدليةِ سويّاً ! لم يُنادى إسمُ أخِي قبلِ وُصُولِي هناك ! ولم يُنادى بعدُ وُصُولِي هناك !
'
مضت ساعه وإنقضت النّصفُ ساعه الأخرى ! إنقضت تِسعِينَ دقيقةٍ بدلِ الأربعين ! كادَ صبرِي أن ينفد ! أُرهِقتُ بما فيه الكفايه ! السّاعةُ الآن الثانِيةَ عشرَ ظُهراً بتوقيتِ العاصِمه مسقط ، ولم يكُن وقتها توقيتٌ لعقلِي وقلبي المُرهقين ! كلّ ما كنتُ أُريدُه هو الخُروج من هناك وبأقصى سُرعه ! أنتظرتُ بعدها عشرَ دقائِق أُخريات ف أكملتُ المائةَ دقيقه لِـ أسمَعَ بعدها مُناداتُهم ف هرولتُ بعدها بِخُطى رثّه ؛ إستملتُ الأدويه ثم إنصرفنا وصديقي
'
لم أكُن وقتها قادِرٌ على رُؤيةِ أشياءٍ أُخرى ، طحنتنِي التّساؤلاتِ كـ طحنِ الرّحى ، وإرهقتني المواقِفِ كـ وسمِ  اللِّظى ! ، كُنتُ في حالٍ مُخالِف عن المقوله المشهوره : " اللي يدخل المستشفى صاحي يطلع مريض !" إذ أنّنِي خرجتُ فرِحاً مُعافى وكأنّ دوائِي هو خُروجِي من المُستشفى وشِفائِي هِي تِلكَ الأدويه ! .
'
الثلاثاء ٩/٩/٢٠١٤

No comments:

Post a Comment